غريبٌ أمر هذا الكائن الذي٬ومنذ لحظات وعيه الاولى يدخل في اشكالية الحضوروالغياب٬باحثاً عن فسحةٍ من زمن٬أو حيّزٍ من مكان٬ليخوض معركةً قد لا تنتهي فصولها برخام باردٍ منتصبٍ على حفنةٍ متبقيةٍ من ماضٍ عبر.
غريبٌ أمر هذا الكائن الذي ما أن يبدأ بتأتأة مفرداته الاولى حتى تجدُه يستشرس في الدفاع عن نفسه لُيثبت وجوداً ينتزع حقَّه فيه من أقرب المقربين.
عجيبٌ أمر هذا الانسان الذي يعرف مسبقاً أن ذاك الرداء المعلّق خلف درفة الوعي٬مهما تلوّن بغبار النسيان٬وتكدّست فوقه بدلات أعراسِ نجاحه الباهظة الثمن٬ليس سوى الكفن الذي سيحجب وهج المعارك الاولى٬ويسترُ عري الانا حمايةً من برد الرخام القارس.
أيموت الانسان بموته؟أيدفن فعلا يوم تستقر حبات التراب في مسامه المتحجرة؟أيصمت حقاً حين يختنق آخر نفس فيه لحظة انطلاقه نحو الافق البعيد؟
أسئلةٌ أرغب أن أجيب عليها بالنفي٬انكاراً لعبث يهّدد كل لحظة وأيَّ انجازٍ يقوم به هذا الكائن الآدمي كي يتعالى عن حقيقةِ جبلته الترابية.
مفاجئٌ دوماً موت المفكر.مربكٌ حتما التحدث عن أعماله،ليس في مناسبة صدور احداها انما احياءً لذكراه٬لانه وفي غفلة منا أعفى قلمه من مهامه ورحل الى حيث لا ضرورة للاجتهاد ولا للتأويل او البحث الدؤوب عن الهوية او الحلم بمستقبل أفضل.
تسقط في حضرة الموت جدوى التحدث عن فحوى نظريةٍ ما او اطروحةٍ فكرية أو منهجٍ متبع لدى أحد المفكرين حين كان بعد واقعاً مثلنا في أسر الهنا والآن.قد يكون ذلك ضرباً من العبث بأغراض الاخرين في غيابهم أو نوعاً من السلوى نخترعها تمضيةً لوقت لم نحسن أن نصنع فيه شيئاً أفضل من فعل الكتابة. لكن يبقى استحضار الغائب من خلال ما كتب اختراعاً بشرياً فذاً لتمزيق حجاب الماوراء والكشف عن وجهٍ نتلمّس فيه بعضاً من ملامح افتقدناها بعد رحيل صاحبها.
عذراً منك ايها الِفكر العربي المعاصر٬لن نقف اليوم لنبكي أعلاماً خطّوا على مدى عمرهم صفحاتٍ مشرقة من فصولك٬ولن نترك سوادَ الحداد يلفّ رغبتنا بالكتابة عنهم أو يحول دون تحقّقِ الحاجة الى التفكير والتفلسف بالعربية.عذراً منك ايها الفِكر المفجوع دائما بغياب عباقرته الذين سبق أن سرّع أجلهم اما قمعاً أو تهميشاً أو تعالياً على ما أنتجوه.
يسرّنا اليوم أن نلتقي لنتربع حول أحد الذين ارتكبوا الشذوذ الفكري٬في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع.فاقدُ الحياء هذا لم ينفك عن اعادة الكرّة مرة تلو المرة لعله يصادف من يسأله هنا أو هناك: ما بك؟ما هي دوافعك المعلنة والخفية؟ ما هو هدفك بالتحديد؟يريد أن يستفز أحد المارين علّه يسبب بذلك جدلا مفيداً يعكس له جدوى ما يقوم به. لقد استفزّنا هنا جميعاً نص نصر حامد أبو زيد النقدي٬وأجبرنا على محاورته والتوقف عنده٬ كالعادة متأخرين٬ فالقطار قد حمله الى المحطة الابعد.
اخترت التحدّث عن دوائر الخوف في زمنٍ كل لحظة فيه تحمل لاي منا تهديداً متعدّد السهام٬اذ بات الخوف هو أبسط ما يواجه فيه الوعي المنزوع السلاح واقعه. وصار القلق خبزاً يومياّ يُنثَر على مائدة التجربة الانسانية في الوطن العربي.فكم بالحري اذا دخلنا مع نصر حامد أبو زيد دهاليز خطاب المرأة العربية٬فهناك نجد فصولا من الكلام المبين قد لا نعثر فيها على نقطة ختامية.
انهمّ مفكرنا بقضية الانسان العربي المعاصر٬وانشغل في كيفية التواصل معه وانتزاع حقّه في ارتكاب التفكير الحر في شؤونه جرماً يكافئ عليه القانون ويسمح له بتحسين شروط الاجتماع البشري.
صدر كتابه”دوائر الخوف٬قراءة في خطاب المرأة”عن المركز الثقافي العربي سنة1999 في 311 صفحة موزعة على سبعة فصول٬ثلاثة في القسم الاول٬وأربعة في القسم الثاني،تسبقها مقدمة بعنوان “المرارة والمسؤولية”،يليها مدخل يطرح فيه “حواء بين الدين والاسطورة”.قبل ان تغوصَ في مضمون الكتاب يَلفتُ انتباهك أمران:لوحةٌ واهداء. نساءٌ مكللاتُ الرأس بالسواد٬تتمايلن في دورانٍ غير متزنِ الخطى٬لا ملامح لهن٬ولا هوية فردية تميّز احداهن عن الاخرى.غرفةُ القيادة شبه معطلة٬فالرأس محجوبٌ منكسرٌ في تدهورٍ يلامس انحدارَ الطائرة لحظة سقوطها.
أما الاهداء فهو بالطبع الى الزميلة والصديقة والزوجة ابتهال يونس قائلا:
“في الزمن الرديء يدفع “الحب” ضريبة أنه يريد أن يجمّل وجه الحياة.
يتحدثون باسم “الله” والكراهية تطفح في نفوسهم وعلى وجوههم.
وقوفكِ ضدّ “القبح” دليلٌ دامغٌ على أن الرجل شريكُ المرأة وليس العكس.
فيكِ وفي ارادتك تتجلى قوة المرأة مانحة الحياة والحب والنبل.
هذا الكتاب لكِ ولكل بنات جنسِك ولابنائهم وبناتهم.
ألسنا نحلم بالمستقبل؟”
صحيح ان المكتوب يُقرأ من عنوانه٬وهنا يُقرأ الكتاب من غلافه٬لا بل من اهدائه.لاول مرة أجد نفسي مضطرة للوقوف أمام اهداءٍ يتصدّر الكتاب قبل الشروع بتناول مضمونه.أتأمل معكم بعبارة واحدة ومصطلح واحد.
عبارة “الزمن الرديء” التي صدّر بها نصه مشحونةٌ بكمٍ هائل من الغضب الممهور بختم الخيبة.فالزمن رديءٌ ليس لأن الفقر مستشرٍ٬ولا لأن الانتكاس السياسي يحدّ من قابلية تطور المجتمعات الناطقة بلغة المثنى٬وليس أيضاً لأن نسبة البطالة والامية ترتفع بشكل عشوائي٬الزمن رديء يا أصدقاء لأن الحب مكلّفٌ بدفع ضريبةٍ تخرّب حياة صاحبها وتقلبُها رأساً على عقب.لقد ارتكب كبرى الكبائر٬اذ انحرف عن مسار الانانية والتخريب والهدم المدمّر لينخرط في تبنّي مشروع “تجميل وجه الحياة”.فجاء انحرافه هذا وصمة عار تُلصق به حتى الى ما بعد النهاية.انه الزمن المقلوب على أصحاب القلم الهادف الى اضافة مسحةٍ من المعرفة علّه يخفّف بها من وطأة الجهل المتضخّم بأمور الحياة وما بعدها طبعاً.زمنٌ يلتهم أبناءه ويطحن عظامهم كي لا يعودوا حتى ولا في يوم القيامة.
هذا ما يتعلّق بالعبارة التي اخترتها من الاهداء٬اما المصطلح فهو “القبح”. يقول لها:”وقوفك ضدّ القبح دليلٌ دامغٌ على ان الرجل شريك المرأة وليس العكس”.فالذي يريد أن يجمّل الحياة لن يروق له القبحُ المزروع في كل مكان.سيعمل،بمعية من أحبَّه وشاركه الحلو والمر،على اقتلاع ما يشوّه فعل انوجاد الجمال-اذا اعتبرنا ان القبح معطلٌ محترف لما هو جميل.لقد أراد رمزاً أن يستخدم مصطلحين متعلقين بعلم الجماليات-اي القبح والتجميل- وهو يريد فعلا الكلام في المعرفة والفكر النضالي.فالوقوف ضدّ القبح مقصودٌ به الانتفاض ضدّ الجهل المتغاضي عن مكنونات المعنى٬والتقوقع داخل التفسير الاحادي الجانب للحقيقة المترامية الاطراف٬وقمع الفكر من التقاط أنفاسه والتحليق عالياً في رحاب الابداع المتجدّد.أما عن كون الرجل شريك المرأة وليس العكس ٬ففي ذلك اشارة واضحة الى اسلوب يهوى المفاجأة٬واحترافٍ في اختصار سبعة فصول بعبارة واحدة.أراد نصر حامد ابو زيد من خلال الكتابة عن دوائر الخوف أن يجتهد في تأويل كل ما قد يُسهم في أن يُعّوق المرأة من التفكير في وضعها والسعي الى تحسينه.
يحاول الكاتب هنا أن يقارب أشكالية وضع المرأة في الخطاب العربي المعاصر من عدة زوايا.فالخطاب الذي يتمحور حوله نص مفكرِنا هو “خطاب “الازمة”٬او-بعبارة اخرى-الخطاب “المأزوم”٬والذي قد يتظاهر غالباً بأنه خطاب “صحوة” أو “نهضة” يسعى الى تجاوز الازمة الخانقة الراهنة التي ترتهن الواقع العربي على كل المستويات والاصعدة”.(ص13)
نودّ أن نشير هنا الى ان نص”دوائر الخوف”لم يكتب دفعة واحدة أو بهدف تأليف كتاب محدد،انما هو محصلة نصوص عدّة كتبت في مناسبات مختلفة،جمعها المؤلف لاحقاً،لذا نجده ينبهنا الى التكرار الذي سنعثر عليه.
نتوقف في هذه المداخلة عند ثلاث نقاط٬الاولى تقارب المنهج الذي اتبعه المؤلف في كتابه “دوائر الخوف”٬والثانية توجز أبرز ما ورد في قسمي الكتاب من فصول٬وتفصّل القول في الفصل الثاني من القسم الثاني٬”حقوق المرأة في الاسلام”،مع الاشارة الى الخطوات النقدية التي ميزت منهجه،اما النقطة الاخيرة فهي تستنتج الخلاصات وتبحث في العِبر.
أولاً:في المنهج:
يطرح أبو زيد في كتابه”دوائر الخوف” قضية المرأة مقدماً اجتهادات تثير النقاش لأنها تخرج عن حيّز المألوف والمتداول٬مُحتمِياً تحت سقف الاجتهاد لأن الاسلام قد سمح به وأجاز الاجتهاد الخطأ٬لا بل كافأه٬”ذلك ان الخطأ هو السبيل لبلوغ الصواب في مجال التفكير الحر٬التفكير بلا خوف ولا عوائق ولا مناطق آمنة كما يريد البعض.ان ديناً يحرّض على التفكير الحر بمكافأة الاجتهاد الخطأ لهو دينٌ واثقٌ من نفسه٬وهو دينٌ يمنح المؤمن به ثقةً وجسارةً في الاجتهاد وجرأةً في البحث والفكر لا تبالي بغضب الغاضبين ولا تعصب المتعصبين”.(ص6-7)
لم يحاول البتة أن ينكر شيئاً من ثوابت العقيدة٬انما أراد أن يطرح اجتهاداته حول فهم هذه الثوابت وتأويلِها مرتكزاً على معطيات الوعي التاريخي والاجتماعي والسياسي والفكري والثقافي للمسلمين.اعتمد في ذلك لغةً جريئةً،واسلوباً صريحاً يذهب مباشرة في اتجاه المعنى. رفض أن يتبع حركة اتجاه الريح أو أن يتلمّس “لما يمكن أن ينال رضا العامة أو رضا وموافقة من يغازلون العامة بخيانة الفكر والضمير٬بل وخيانة العقيدة”.(ص6)
يصر المؤلف على أن باب الاجتهاد يجب أن يبقى مفتوحاً “على المنجزات المتغيرة للعلم والمعرفة” بخاصة وأن الايمان بثوابت العقيدة لم يحرّم الاجتهاد في شرحها وتأويلها.من هنا فهو يرى “أن مجال الاجتهاد لا سقف يحده ولا شروط تعوقه سوى التمكن المعرفي٬أي اتمام العلم بشروط وأدوات المعرفة والتمرس بأدوات البحث ومناهجه حسب المواصفات التي وصل اليها التقدم المعرفي في عصر الباحث”.(ص8)
هذا التركيز على البناء المعرفي وشروط تحققه لدى من يرغب بالاجتهاد لدليل واضح على انخراط المؤلف بالحداثة والتمرس بمكتسباتها هو الذي نهل من معين الغرب واستفاد من المناهج النقدية المنتجة فيه.كذلك يبرز انخراطه بالحداثة الفكرية وتأثره الواضح بصاحب “مشروع نقد العقل الاسلامي” محمد أركون عندما ينطلق في اجتهاداته من نظرية “تاريخية القرآن” التي تعني “أننا ملزمون باستعادة السياق التاريخي لنزول القرآن من أجل أن نتفهم مستويات المعنى وآفاق الدلالة;فنستطيع التمييز في مجال الأحكام والتشريعات بين مستويات لم ينتبه لها أسلافنا”.(ص11) يسعى المؤلف من خلال قوله هذا الى “تأصيل منهجي واعٍ لمسألة قراءة النصوص وتأويلها من منطلق معرفي معاصر خدمة لدين الله وسعياً للمساهمة في اشكاليات الحياة الاسلامية أو حياة المسلمين في عالم تزول فيه الحواجز وتختفي فيه المسافات٬وتزداد فيه الاخطار”.(ص11)
يرتكز المؤلف على النقد المباشر المقرون بالشواهد والادلة البيّنة٬ كما اعتمد بشكل أساس على المقاربة العقلية والموضوعية للواقع المأزوم.واضح غوصه بشؤون التراث وشجون الحداثة على حدّ سواء.ينتقد الانفصام الذي يعاني منه جزء لا بأس به من الخطاب المعاصر الذي يجسد مفهوما مزدوجا للمعاصرة٬فهو يقبل٬لا بل يتمادى في قبول الانتاج المادي والتقني للمعاصرة٬في حين أنه يستنكر لا بل يبالغ في رفض ما تنتجه هذه المعاصرة على صعيد الفكر النقدي وكيفية فهم النص اي نص.يقول:”ان التمسك بالمعاصرة على مستوى الحياة المادية٬والاصرار في نفس الوقت على التفكير كما كان يفكر السلف٬يمثل حالة من الانفصام المرضي.(…)ان المدافعين عن حالة الانفصام تلك في مجتمعاتنا٬والذين يتفاخرون دائماً- ونحن معهم- أن تاريخ الاسلام لم يعرف سلطة دينية مثل سلطة الكنيسة٬يتجاهلون أنهم هم أنفسهم أقاموا بالفعل سلطة لا تقل شراسة وتخلفا عن سلطة الكنيسة في العصور الوسطى.يفعلون ذلك حين يزعمون أنهم يدافعون عن حقوق الله٬ويفعلون ذلك وهم يصرون على ضرورة وجود سلطة سياسية ترعى شأن الدين وتفرض تعاليمه بسلطة الدولة على الافراد”.(ص12)
لن ينحصر التحدث عن المنهج في هذه الفقرة فقط انما سنعمد الى ابراز الخطوات المنهجية التي ميّزت مقاربة ابي زيد في سياق التعرف على مضمون فصول”دوائر الخوف”.
ثانياً:في المضمون:
اختار نصر حامد أبو زيد أن يستهل البحث في “دوائر الخوف”بالتوقف عند”حواء بين الدين والاسطورة”٬محاولا أن يقوم بتأويل ما أورده الطبري حول خروج آدم وحواء من الجنة٬ من أجل الكشف عن جانب اللامعقول في تفسير هذه القصة. يرى أن القصة تبدو وكأنها”تفسيرية أو تعليلية٬بمعنى أنها تقدم تعليلا لبعض الظواهرالطبيعية في سياقها٬ويبدو كما لو كان عرضيا.والقصة التعليلية تعرض في الغالب لتفسير الظواهر التي يعجز الانسان في مرحلة تاريخية محددة عن تفسيرها تفسيراً علميا”.(ص18)
يرى المؤلف أن أخطر ما في القصة لا يكمن فقط في الربط القائم بين حواء والحية لغةً٬ انما سلوكياً أيضا. لقد اشتركتا معا في التآمر على آدم من اجل اغوائه وتسهيل فعل ارتكاب المعصية عليه. جاء العقاب وخيماً٬لم ينحصر فقط بطرد آدم من الجنة ومعه البشرية كلها٬انما شملهما معاً- اي حواء والحية – انه العقاب الشامل والمستمر الذي يطاول مجالهما العملي. تُقدم القصة٬أولاً٬ تعليلا لمجموعة من الظواهر الطبيعية المشتركة بين- تلك الناقصة العقل والدين- حواء والحية٬وتقدم٬ ثانياً٬تعليلا لللعداوة المعروفة بين الانسان والزواحف.
يشير المؤلف الى ان القرآن لا يحمّل المرأة علناً مسؤولية الخروج من الجنة٬لكن الضمير الاسلامي لايزال “ينسب للمرأة وحدها – تأثراً بهذه القصة – مسؤولية تلك الجناية٬هذا بالاضافة الى الايمان بأن العقاب الدائم الذي أوقعه الله بحواء عقاب لا سبيل للفكاك منه٬ خصوصاً ما يتعلّق منه بالحكم عليه بنقص العقل والدين”.(ص21)
يقدّم أبو زيد أربع ملاحظات نقدية٬نوجزها بما يلي:
1- ان الاله الحاضر في القصة هو اله التوراة وليس هو الله كما يتجلّى في المعتقد الاسلامي. يرى المؤلف أن ذلك أمرا طبيعيا من باب التأثر التاريخي٬لكن الغريب هو في أن يعتبر العقل المسلم القصة قد حصلت فعلا ويأخذ بحرفيتها لمجرّد ورودها في أبرز كتب التفسير.المقياس هنا ليس العقل وقوانين المنطق انما مصدر القصة.ان الطبيعة التي صاغها العقل الاسلامي لصفات الله ولعلاقته بالانسان تتناقض مع المعيار الذي يتبعه الله في القصة. فالعقاب الذي أنزله الله على أطراف المؤامرة مستبد أكثر مما هو عادل٬ان من ناحية القسوة الشديدة أو من ناحية شمولية العقاب حتى يطاول النسل برُمته. زد على ذلك ان المؤامرة التي يحبكها كل من ابليس والحية وحواء تدور في غفلة عن الله وهو آخر من يعلم بها.
2- ان الصورة التي ترسمها القصة لآدم البريء الذي وقع ضحية مؤامرة حُبكت ضدّه باحتراف٬تتناقض هي الاخرى مع قسوة العقاب الذي نزل به في خروجه النهائي من الجنة.يعتبر أبو زيد أنه كان بالامكان مثلا أن يعاقب ابليس بالطرد من الجنة٬وكذلك انزال العقوبة بحواء والحية من دون ذريتهما.أما جذور هذا التصور لادم البريء فتعود الى مجتمع يجسد فيه الرجل مثال الخير والبراءة٬بينما يلصق الشر والخطيئة بالانثى.فالقصة اذا “تشير الى الجتمع أكثر مما تفسر النص الديني”.(ص22)
3- يلحظ المؤلف ان هناك حرص في القصة على علاقة التساوي بين الجرم والعقاب.أكلت حواء من الشجرة فعوقبت بأن تدمى في كل شهر مرة.واستخدمت الشهوة سىلاحاً لاغواء آدم فعوقبت بنقصان يضرب عقلها٬وسفاهة تسيطر على تفكيرها وسلوكها.أما الحية فقد حُرمت من قوائمها ومصيرها الزحف والالتصاق بالتراب بالاضافة الى عداوة أبدية مع بني آدم.والارض التي أنجبت آدم فلن يكون شجرها الا شوكاً.
يشير أبو زيد الى أن”في هذا الحرص على ابراز التساوي بين الجرم والعقاب يبدو بُعد تعليل الظواهر هو البعد المسيطر بوصفه الهدف الاساسي من القصة”.
4- هناك علاقة تحبكها القصة بين حواء والحية٬وكأنها تشير الى أن العداء بين الحية وبني آدم يحصر العلاقة بين الحية والذكور لا النساء من دون أن تحدّد تفاصيل هذه العلاقة.”ولا تزال العلاقة الرمزية بين الحية وحواء تجد توظيفاً لها في مختلف مجالات التعبير الفني والادبي٬الامر الذي يكشف عن توغلها في بنية اللامعقول بشكل عام”.(ص23)
يستنتج أبو زيد مما تقدّم أن تفسير الطبري يتضمّن الكثير من التصورات الاسطورية٬لكن ذلك لا يقلل من أهمية ما انجزه.”بل لعل حضور المعقول الى جانب اللامعقول وسيطرته عليه هو الذي يجب أن يكون محل اعجابنا وتقديرنا لتراث الاباء.أما أن يؤدي الاعجاب غير المشروط والذي يصل الى حدّ التقديس(…)فهذا هو الجناية الحقيقية التي نرتكبها٬لا ضد أنفسنا وواقعنا وحاضرنا فقط٬بل ضد هذا التراث أساساً٬(…)”.(ص23)
وختم أبو زيد قراءته لقصة حواء بالتوجه الى ورثة التراث وحثهم لكي يكونوا جديرين به عن طريق التعمق بالمعقول واحالة اللامعقول الى مجهر الحفريات.
أردت التوقف عند هذا العرض لما ورد في مدخل القسم الاول”المرأة في خطاب الازمة” لأنه يرسم فعلا الاطار الذي أراد المؤلف أن يتحرّك فيه٬وهو يفصح عن المنهج الذي سيتبعه في قراءة النصوص المتعلّقة بوضع المرأة في الفكر الاسلامي والواقع.
•• يتناول المؤلف في الفصل الاول الخطاب المنتج حول المرأة في العالم المعاصر متوقفاً عند بعض نماذجه لكي يدرس “انتروبولوجيا اللغة وانجراح الهوية”. يرى أن فحوى هذا الخطاب يدور حول مطلق المرأة/الانثى واضعاً اياها في علاقة مع مطلق الرجل/الذكر.وهي علاقة بين طرفين متقابلين ينتج عنها بالضرورة خضوع أحدهما للآخر ودخوله طائعاً تحت سيطرته.فالمرأة في هذا الخطاب “حين تتساوى فانها تتساوى بالرجل٬وحين يُسمح لها بالمشاركة فانما تشارك الرجل.وفي كل الاحوال يصبح الرجل مركز الحركة وبؤرة الفاعلية.(…)وكأن كل فاعلية للمرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية فاعلية هامشية٬لا تكتسب دلالتها الا من خلال فاعلية الرجل”.(ص29)
وبعد ان يدخل في بعض مفردات اللغة العربية ليشير الى التمييز الحاصل بين المرأة والرجل أو المذكر والمؤنث٬يتوقف عند تجربة الحب الالهي وجذوره الممتدة الى الحب الانساني كما وردت في تجربة ابن عربي. يرى ان لدى هذا المفكر رؤية للعالم يشكّل فيها الذكر نقطة الارتكاز والمحور بوضوح.نجده يشير الى ذلك على الرغم مما يوحي به ظاهر نص ابن عربي من احتفال بالانثى والانوثة.يعتبر ان النموذج الاصلي الذي يصور العلاقة بين الرجل والمرأة يعيده الوعي الانساني الى”مسألة حواء التي انفصلت عن جسد آدم،فهي جزءٌ منه يحن اليه حنين الكل للجزء الذي فارقه،وهو بالنسبة لها بمثابة الاصل الذي تتوق دوماً للعودة اليه والاحتماء به”.(ص33)
ثم يبدأ المؤلف بسرد بعض المقتطفات من خطاب “التخلّف”الذي يمارس الارهاب ضد المرأة مستشهداً بمصطفى محمود ومحمد عمارة. وتوقف في ما بعد عند الجدل الدائر في مصر حول حق المرأة بالعمل كما نقلته جريدة الاهرام في 18/1/1993 .
يلخص أبو زيد محصلة النقاش كما يلي:”ما كان لحواء أن تخرج٬لكن ما دامت قد خرجت فلا سبيل أمامها الا أن تدور حول الاصل٬وتكون بمثابة الظل.واذا كانت حواء في الخطاب السائد تُعاقب٬فان عقابها جزءٌ من عقاب كوني وقع عليها بسبب أنها كانت مدخل الشيطان ابليس الى آدم”.(ص48)
••يتابع المؤلف في الفصل الثاني “خطاب النهضة والخطاب الطائفي” تحليل بعض النماذج من أجل ابراز المنحى الطائفي فيها،بعد أن يورد نقد السيد قطب وأتباعه لأوروبا وتراثها العلماني.نرى المؤلف يستعرض كيف أن ركيزة خطاب النهضة تكمن في مقاومة الانقسام والربط بين الوحدة الوطنية وحرية المرأة.وهو يتوقف في آخر الفصل عند خطاب الطاهر الحداد الذي يطرح مفهوم النسبية والتاريخية في تفسير الاحكام الاسلامية عن المرأة.
يختم الفصل قائلا:”نكتشف أن قضية المرأة وما يتعلق بها من نصوص دينية كانت حافزاً لكي يقترب خطاب النهضة من حدود انتاج وعي علمي بالدين وبدلالة نصوصه.(…)
في خطاب النهضة يجتمع المشتت٬فالجزء لا قيمة له خارج المنظومة٬واحتقار المرأة صورة لاحتقار الانسان٬ولا يحتقر الانسان الا في مجتمع تحكمه قبضةٌ يدّعي صاحبها حقوقاً ميتافيزيقية(…)
الصورة المصغرة لخطاب النهضة تتسع كلما تابعناها لتقف ضد التفرقة على أساس الدين أو العرق أو الطائفة٬بل وتتسع أكثر لتناهض ثنائية الانا والاخر بوصفهما نقيضين بمثل الاسلام الانا٬ وتمثل اوروبا الاخر”(ص72).
••يطل علينا الفصل الثالث والاخير من القسم الاول بالاشارة الى أن “الواقع الاجتماعي بُعدٌ مفقود في الخطاب الديني”٬وهو يريد من خلال ذلك أن يلفت الانتباه الى أن النظر في قضية المرأة يجب أن يتم ليس فقط من الناحية الدينية انما أيضاً من الناحية الاجتماعية. بعبارة اخرى ٬يجب عدم الاكتفاء بمرجعية النصوص وحدها٬انما العودة الى الواقع الاجتماعي الذي هو أساس هذه القضية.ان مسألة تعدد الزوجات والطلاق والميراث والحجاب وشهادة المرأة وتعليمها وحقها بالعمل٬يجب معالجتها من دون التغاضي عن السياق الاجتماعي العام الذي له دورٌ مؤثر فيها.
يشير المؤلف الى أن الخطاب الديني يصرّ على حصر قضايا المرأة “داخل أسوار الفهم الحرفي للنصوص الدينية الفرعية أو الاستثنائية”٬وهو ينظر الى خطاب النهضة الذي يحرّض على تحرّر الانسان رجلا وامرأة٬وعلى الاحتكام الى العقل والواقع في ما يتعلق بأمور المجتمع والطبيعة٬نظرة تشكك وارتياب واتهام بالتآمر على مصلحة الامة وتهديد كيان المرأة الاجتماعي والعمالة للمخطط الصهيوني بهدف القضاء على الاسلام. ويضيف:”هكذا تقترن الاتحادات النسائية ببيوت البغاء٬ويتساوى الفن بالفاحشة والعلم بالفجور.ويتم الهجوم البذيء على أعلام النهضة النسائية٬وذلك عن طريق تصوير حركتهم كلها٬وخطابهم كله٬باعتبارها مظاهر عدائية ضد الاسلام والمسلمين٬وجزءاً من مخطط هدام صهيوني ماسوني شيوعي ماركسي”.(ص96)
لم يتطرق المؤلف الى مشروعية الاستناد الى النصوص الدينية٬فهو يرى أن ذلك يحتاج الى دراسة أخرى٬لكنه أراد من خلال هذا الفصل أن يبرز ما يلي:
1-”ان الخطاب الديني يزيف قضية المرأة حين يصر على مناقشتها من خلال مرجعية النصوص متجاهلا أنها قضية اجتماعية في الاساس”.
2- يعتمد الخطاب الديني المأزوم “على النصوص الشاذة ةالاستثنائية ويلجأ الى أضعف الحلقات الاجتماعية سعياً لنفي الانسان.وهو من هذه الوجهة يتعامل مع المرأة تعامله مع الاقليات الدينية الاخرى٬المسيحية خصوصاً”.(تحبس المرأة في البيت وداخل الحجاب٬وتحبس الاقليات وتلغى في مفهوم اهل الذمة).
3-”ان هذا الخطاب – رغم سلفيته- يستند الى جانب مرجعية النصوص الدينية٬الى مرجعية أخرى من خارجه٬هي مرجعية اوروبا النموذجة:أوروبا العلم والنهضة والانجاز من جهة٬وأوروبا العري والشذوذ والتفكك من ناحية أخرى٬ولأنه لا يستطيع مناهضة الجانب الاول فانه يلجأ الى اسقاط الجانب الثاني على خطاب النهضة العربي من أجل ادانته وتشويهه”.(ص123-124)
••يبدأ القسم الثاني بعنوان عريض “السلطة والحق٬مثالية النصوص وأزمة الواقع”٬حيث يشير المؤلف الى الهوة الفاصلة بين الفكر المثالي والواقع المذري بهدف تعميق الوعي بالازمة في محاولة منه لايجاد حلٍ ما بدلا من الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
••يعالج الفصل الاول “المسلمون والخطاب الالهي٬حقوق الانسان بين المثال والواقع” مسألة الظلم والاستبداد والاستغلال في المجتمع العربي٬بخاصة ما يتعلقق بالممارسات الاسرائيلية. يقع الدفاع عن حقوق المرأة في سياق الدفاع عن حقوق الانسان.من هنا فهو يتناول مسألة حقوق الانسان قبل معالجة حقوق المرأة في الفصل التالي وذلك من زاوية علم الكلام والفلسفة والتصوف وقصة حي بن يقظان لابن طفيل٬ومن زاوية الفقه الاسلامي ومن ثم الخطاب السياسي. يخلص الى القول الى ان “الفجوة بين المثال والواقع في تصور الانسان٬أو في التعامل معه٬ظاهرة اسلامية بقدر ما هي ظاهرة انسانية.وانتهاك حقوق الانسان في كل مكان في العالم٬رغك وجود وثيقة اعلان حقوق الانسان(…)”.(ص174)
أما بداية الحل بالنسبة الى أبي زيد فتكمن في “فهم الذات ثقافة ولغة٬ثم التحرك لفهم الاخرين وتقييم ثقافتهم في اطار انجازاتها في سياقها التاريخي الاجتماعي٬دون ان تفرض عليها معايير تقييم من نسق ثقافي آخر يتصور نفسه أسمى وأرقى وأعلى”.(ص175)
وهو يدعو المفكرين الى تأكيد استقلاليتهم ورفض آليات الاستبعاد والاقصاء التي يمارسها رجال السياسة والاقتصاد بهدف خلق مسافة للتفاهم والتعاون المشترك على الرغم من التعدد القومي والعرقي والثقافي واللغوي.انه يحث على تخطي العوائق والحواجز التي”تكبل مفهوم الانسان في اطار مغلق٬اذ ينفتح مفهوم الانسان ليستوعب كل البشر٬بصرف النظر عن أي اعتبار آخر”.(ص176)
••يبقى أن نشير الى أن الفصلين الثالث والرابع يتضمنان قراءةً لدوائر الخوف عند فاطمة المرنيسي بعنوان:الاسلام والديمقراطية والمرأة٬في الفصل الثالث،ومعالجةً لموضوع المرأة والاحوال الشخصية عبر اتخاذ الخطاب التشريعي التونسي نموذجاً،في الفصل الرابع.لن نتوقف عند هذين الفصليين الختاميين انما سنعالج الفصل الثاني من القسم الثاني لكي نرى كيفية قراءة أبي زيد لحقوق المرأة في الاسلام من خلال دراسة النصوص والمصطلحات.
يحاول أن يحدد مصطلح الشريعة بين الفقه والدين من خلال العودة الى”مجال التداول الاصلي للالفاظ والعبارات٬وهو المجال السابق على تحولها الى مفاهيم ومصطلحات محملة بثقل الصراعات التاريخية-الاجتماعية السياسية-وتعبيراتها الفكرية والثقافية وما تحدثه من تراكمات دلالية.”(ص189)ويشير الى أن القرآن يشكل مجال التداول الاصلي لكل ما يعتبر منظومات الفكر الاسلامي لذا فهو يعود اليه.وردت مادة شرع في القرآن خمس مرات٬اثنتان منها في صيغة الفعل٬والمعنى يفيد “اظهار الدين بعد أن كان خافياً غير معروف”.
أما لغة فالشريعة تعني شق الطريق الى الماء لتشرب الدواب.”ومن الطبيعي أن يكون الدين شرعة بمعنى المنهاج والطريق والصراط الذي يسير عليه الانسان”.(ص190)
يحلل المؤلف اشكالية تأويل التراث والتأويل المضاد٬مؤكداً أن العودة الى التراث أصبحت هاجساً تشعبت منه ثلاثة اتجاهات:الاتجاه الاحيائي السلفي٬ الذي يجد في التراث مستودعاً للحلول٬واتجاه القطيعة مع التراث عن طريق تحليله وتفكيكه٬واتجاه ثالث يسعى الى تجديد التراث عن طريق التلفيق تحت شعار التوفيق بين التراث ومتطلبات العصر.ويشير الى ان اهتمامه في هذا الكتاب ينصب على منهج المجددين(الاتجاه الثالث) لكي يبرز التعارض في النتائج بينهم وبين السلفيين(الاتجاه الاول) على الرغم من الاتفاق على “المرجعية الشمولية للنصوص”.
يرى أبو زيد أنه عندما تطرح مشكلة حقوق المرأة في الاسلام يعود المجددون الى النصوص القرآنية مبرزين تلك التي تؤكد المساواة واعطاء المرأة حقوقها قبل الحداثة بزمن بعيد.أما السلفيون فهم يؤكدون أن المساواة هي دينية لا اجتماعية تتحقق في الثواب والعقاب في الاخرة٬وهي مشروطة بالاصرار على الفروق الفاصلة بين الرجل والمرأة على المستوى الطبيعي والبيولوجي.ولتأكيد هذا الفرق يستشهد السلفيون بالنص المقدس من دون الاهتمام بالسياق السجالي المعتمد في مخاطبة العرب٬ولا بطبيعة النص تاريخياً وسياقاً وتأليفاً٬ولا لغة أو دلالة.من هنا نجد أبي زيد يدعو الى تطوير منهج خاص بفهم النصوص يُخرج الفكر الاسلامي من أزمة التأويل والتأويل المضاد التي تمارس منذ زمن.
يتوقف عند نموذج يبرز من خلاله التأويل والتأويل المضاد الذي يهمل السياق ويهتم بالمنفعة البراغماتية٬وهو افتاء الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس هيئة البحوث والافتاء في السعودية٬عنوانها:”عمل المرأة من أعظم وسائل الزنا”.يقول نص الفتوى:”ان اخراج المأة من بيتها الذي هو مملكتها ومنطلقها الحيوي في هذه الحياة اخراخ لهل عما تقتضيه فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها.فالدعوة الى نزول المرأة الى الميادين التي تخص الرجال أمر خطير على المجتمع الاسلامي٬ومن أعظم آثاره الاختلاط الذي يعتبر من أعظم وسائل الزنا الذي يفتك بالمجتمع ويهدم قيمه وأخلاقه”.(ص195)
ويذكر المؤلف في هذا السياق أيضاً٬ممارسات طالبان ضد المرأة الافغانية التي تضع حبس المرأة داخل البيت والباسها الحجاب في أولوية الاصلاحات الي يجب القيام بها. يتوقف في ما بعد عند كيفية التصدي والرد على هذه الفتوى التي تهدد صورة الاسلام الحضاري بشكل مباشر.ويختار أبو زيد أن يحلل رد فهمي هويدي ٬أحد الرموز الممثلة لتيار النهضة الاسلامية٬ كنموذج للرد على الفتوى.يرتكز الرد على آراء محمد رشيد رضا الذي يتحدث عن مشاركة الرجال والنساء في الشعائر الدينية والاعمال الاجتماعية والسياسية في كتابه “حقوق النساء في الاسلام”.كما يورد ضمن التأويل المضاد رد الشيخ محمد ناصر الالباني أحد علماء السلفية المعاصرة الذي لم يعجبه ما ورد في الكتاب المذكور٬وذلك بهدف أن يبرز قوة النزاع التأويلي بين الطرفين٬ويشير الى ما يسميه أزمة التأويل والتأويل المضاد على حد سواء. يرى الكاتب أن أساس هذه الازمة يكمن في “التعامل مع القرآن بوصفه نصاً مفارقاً لتاريخه وللواقع الذي أنشأه مفارقة مطلقة”. (ص198)
ينتقد أبو زيد في ما يلي القراءة السياقية التي يقوم بها أصحاب منهج التجديد الذي هو عبارة عن تطوير مناهج علم اصول الفقه التقليدي ٬وتواصل مع جهود رواد النهضة في آن معاً.”واذا كان علماء الاصول يرون أن أسباب النزول لا تعني وقتية الاحكام ولا اقتصارها على السبب فوضعوا قاعدة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”٬فان القراءة السياقية تضع تمييزاً بين المعاني والدلالات التاريخية المستنبطة من السياق من جهة٬وبين المغزى الذي يدل عليه المعنى في السياق التاريخي الاجتماعي للتفسير من جهة أخرى.وهذا التمييز هام جداً بشرط أن يكون المغزى نابعاً من المعنى ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً مثل ارتباط النتيجة بالسبب او المعلول بالعلة٬والا يكون تعبيراً عن هوى المفسر ووثباً على المعنى أو اسقاطاً عليه”.(ص202-203)
يشدد أبو زيد على عدم الاكتفاء بالسياق المذكور أعلاه- اي السياق الكلي الاجتماعي التاريخي لعصر ما قبل الوحي- وضرورة الالتفات الى مستويات أخرى للسياق يجب ان يأخذها منهج التجديد بالاعتبار٬وهي على التوالي: سياق ترتيب النزول٬ وسياق السرد٬ ومستوى التركيب اللغوي.يتوقف في ما بعد عند بعض النصوص المتعلقة بالمرأة وحقوقها ليحللها تحليلا تاريخياً نقدياً لكي يكشف أن كثيراً من الاحكام التي يتم الاستناد اليها في مسألة حقوق المرأة لم تكن تاريخياً من التشريعات التي جاء بها القرآن.”لذلك فان الوصول الى حقيقة موقف الاسلام من مسألة حقوق الانسان عموماً وحقوق المرأة خصوصاً لا بد أن يتم عبر عملية مقارنة تاريخية بين وضع حقوق المرأة قبل الاسلام وبين الحقوق الجديدة التي شرعها الاسلام”.(ص206)
ينتقد أبو زيد أيضاً عمليات التوجيه الايديولوجي للمعنى الديني بخصوص حقوق المرأة كما وردت لدى بعض اتجاهات الفكر الاسلامي٬ويرى انها نوع من السير في سياق تبرير الاجتماع البدوي المعادي للمرأة وحقوقها٬وللوجود الاجتماعي للانسان المرتهن للقبيلة. من هنا نجد نصر حامد ابو زيد يطرح منهجاً بديلا من أجل الخروج من المأزق التأويلي وهو منهج القراءة السياقية التي سبق ذكرها.
يخصص ابو زيد في نصه حول حقوق المرأة في الاسلام قسماً لا بأس به لكي يميز بين السياق السجالي للآيات القرآنية والسياق الوصفي.يستنتج أن المساواة بين الرجل والمرأة تمثل مقصداً من مقاصد الخطاب القرآني٬فلا يجوز أن نحمّل النص تأويلا يتعدى دلالته المباشرة.”ولكن لأن القرآن نزل على قومٍ كان التمييز بين الرجل والمرأة ;او بين الذكر والانثى٬جزءاً من ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي٬فمن الطبيعي أن ينعكس هذا التمييز في مساجلات القرآن معهم. ولكن الخطأ كل الخطأ يكمن في ان تعامل التعبيرات السجالية على اساس انها تشريعات جاء الاسلام بها،وهو الامر الذي يفسر لنا كثرة الفتاوى والتأويلات الخاطئة النابعة من ذلك الخلط بين السياق السجالي والسياق التشريعي.ان المساواة بين المرأة والرجل تتجلى بوصفها مقصداً من مقاصد القرآن الكريم من جانبين:الجانب الاول هو المساواة في أصل الخلق من “نفس واحدة”،ومرة أخرى خلافاً للتوراة التي تَعتبر حواء جزءاً من آدم(خلقت من ضلع من ضلوعه ،قيل في ما بعد انه الضلع الاعوج الذي يحتاج الى دائماً للتقويم بالتأديب).والجانب الثاني هو المساواة في التكاليف الدينية وما يترتب عليها من عقاب “.(ص208)
انطلاقاً مما تقدّم يخلص الى القول ان النصوص التي تميز بين المرأة والرجل في القرآن هي نصوص اما سجالية واما وصفية. وردت السجالية في سياق الرد على المشركين من العرب عندما نسبوا الاناث لله فقالوا ان الملائكة بنات الله.ويظن انهم كانوا يتأثرون بعقائدهم القديمة حيث كانت اسماء الالهة الي عبدها العرب مؤنثة.
اما النصوص التي تميّز هي الاخرى بين الرجل والمرأة فقد وردت في سياق وصفي كالتي وردت مثلا على لسان أمِّ مريم حين ولادتها،ومفادُها ان امرأة عمران كانت قد نذرت ما في بطنها لله،فظنت ان الانثى لا تصلح لوفاء النذر،لكن الجملة الاعتراضية “والله أعلم بما وضعت”،تأتي لتنفي هذا التصور والظن من قبل الام. كذلك ينتقد أبو زيد مسألة فهم القوامة في النص،اذ ان الامر لا يتعلق بتشريع القوامة انما بوصف واقع الحال في عصر ما قبل الاسلام. يرفض اعتبار ان القوامة تستند الى تفضيل الهي مطلق لجنس الرجال على النساء لكي تصبح حكماً الهياً لا تجوز مناقشته.فالنظر الى مجمل السياق القرآني في ما يتعلق بالتفضيل الالهي لبعض البشر على بعض يفيد ان المقصود “وصف التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الملحوظ بين البشر،وهو تفاوت تحكمه قوانين الحراك الاجتماعي،اي تحكمه قوانين تندرج بحسب الخطاب القرآني تحت السنن والقوانين الالهية الاجتماعية القابلة للتغيير بحكم”.(ص213)
ويضيف محللا انطلاقاً من السياق العام للآيات القرآنية “ان التفاوت ببين البشر في الارزاق هو حكم الهي بالفقر على بعض الناس وبالغنى للبعض الاخر لما جاز أن يسعى القرآن ذاته للحض على توزيع المال والثروة.(…)هكذا يجب فهم ان رفع الله الناس بعضهم فوق بعض ليس الا تعبير وصفي عن واقع مرغوب في تغييره لتحقيق العدل٬وليس المقصود منه ان يتخذ بعض الناس من البعض الاخر موقف السخرية والتحقير٬(…)،ان السخرية والاحتقار وكل أشكال الاهانة هي النتيجة اللازمة عن التفاوت الحاد بين البشر اجتماعياً واقتصادياً”.(ص213)
القوامة ليست تشريعاً بالنسبة الى ابي زيد انما هي وصف حال،كذلك تفضيل الرجال على النساء ليس بمثابة قدر الهي مطلق انما هو تقرير للواقع المطلوب تغييره تحقيقاً للمساواة الاصلية.”القوامة اذن مسؤولية يتحملها من يستطيع من الطرفين،الرجل والمرأة،او يتشاركان فيها بحسب ملابسات الاحوال والظروف.ولعل مما له دلالة ان القرآن جعل علة القوامة أمرين:الافضلية والقدرة على الانفاق،لكنه لم يحدد بشكل قاطع أفضلية من على من وتركها دون تعيين،الامر الذي يعني تداول القوامة او المشاركة فيها.ولعله من المفيد في هذا السياق ان نطرح سؤالاً استنكارياً:هل يسمح الرجل للمرأة بكل حقوق القوامة عليه- بما فيها سلطة الوعظ او الهجر في الفراش او الضرب اذا كانت هي التي تعمل وتعول الاسرة،بينما هو بلا عمل؟!”.(ص214-215)
يذكر المؤلف ان مجمل النصوص التشريعية الخاصة بالمرأة ورد في “سورة النساء”،لذا فهو يعود اليها لكي يقوم بتطبيق قراءته عليها بهدف تفسير السيادة التاريخية للذكر على الانثى،وذلك من خلال طرح المواضيع التالية:الزواج والطلاق،والميراث،والحجاب والعورة.انه يرى مثلا في ما يتعلق بالزواج ضرورةَ طرح هذه الامور، ليس من زاوية الطبيعة البيولوجية التي تظهر مثلا تفاوتاً في النهم الجنسي بين الرجل والمرأة، مما يسمح بتعدد الزوجات. يلحظ أن الامر يتعلق بتبرير سيادة الذكر على الانثى ،ويشير الى ضرورة التخلي عن التفسير المرتكز على الطبيعة البيولوجية وقياس الانسان على الحيوان،من أجل اعتماد التفسير الذي ينطلق من “انتروبولوجيا”التطور.
ويختم هذا الفصل بالخلاصة التالية:”هكذا نرى ان التأويل والتأويل المضاد يعتمد كلاهما على الانتقاء:اي ابراز النصوص التي تخدم غرض المؤوّل بوصفها الاصل وتأويل النصوص التي تخالف غرضه وتخدم غرض الخصم تأويلا يسلبها الدلالة غير المرغوب فيها.وسواء اعتمد التأويل ثنائية “الخصوص والعموم” أو اعتمد آلية “الابراز والاخفاء” فالنتيجة واحدة:التلاعب الدلالي بالنص الديني-قرآناً وسنة-دون اعتبار لطبيعة تلك النصوص تاريخاً وسياقاً وتأليفاً،بمعنى التركيب والتكوين (لا بمعنى انها من وضع البشر وتأليفهم)،ولغةً ودلالةً”.(ص242)
ثالثاً:في الخلاصات والعبر:
ان اجتهاد نصر حامد أبو زيد في قراءة النص وتأويله كما ورد في كتابه “دوائر الخوف” يشكل محاولة جادة وجريئة وهادفة. لقد أدخل الخطاب الديني في دائرة النقد اللغوي والتاريخي والانتروبولوجي.تصدّى بدقة محترفة لأكثر من فتوى وتأويل،غاص في تحليل الخطاب التراثي كما المعاصر،من اجل الكشف عن حيثياته وما يخفيه.
حمل همّ المرأة المسلمة سعياّ الى تحريرها من دوامة الخوف المسيّرة لخطواتها والمتحكمة بارادتها.أبرزَ حبكة التآمر عليها منذ زمن،من اجل اخضاعها،حتى لو تطلّب الامر تقديس بعض العادات والممارسات التي عرفها المجتمع العربي قبل الاسلام.لم يهمل وضع الرجل الغارق بألف دوامة ،هو الاخر يعاني من ظلم هدّ قواه على التطور.لكن هل يمكننا حصر دوائر الخوف فقط بسلطة النصوص التراثية والمجتمع والتقاليد،وهي لا شك فاعلة،علماً أن الاهتمام بمراجعتها نقدياً امر اكثر من ضروري؟
الا يجوز،بما أن الخوف حالة نفسية بامتياز ان تكون هي الدائرة الاقوى فنجد مثلا ان سبب الخوف والاحجام عن التطور يكمن في هذا المركب النفسي،في الانا عينها،في استسلامها لواقع ميؤوس منه،او في فقدان الرغبة بحياة افضل،او في تلهّيها باشكاليات أشد الحاحاً تتعلّق بالهموم المعيشية التي تضرب بثقلها أعناق الرجال كما النساء،او ربما تكون خدمة التوصيل المجاني الfree delivery قد عودتنا على استلام حلّ جاهز يقرع بابنا ويروي انتظارنا؟ انك قد لا توافق نصر حامد ابو زيد الرأي في كيفية مقاربته لدوائرالخوف،أو في منهج قراءته للنص،لكنك لن تنكر الجهد الذي بذله عن رغبة جامحة في تطوير المفاهيم ،وتوسيع افق البحث، واسكات الجهل الذي يصدح في كل مكان،واطلاق العنان لهذا الكائن المقموع منذ زمن داخل قمقم التشريع للانثى.
في نهاية هذا اللقاء سنطمئن نصر حامد ابو زيد الى ان الظلم أصابه تضخم متزايد،والجهلَ يفيض،فُوحوله تكاد تجرف الاخضر واليابس،أما الحرية فأُدخلت غرفة العناية الفائقة،وحقوق المرأة طغى عليها الكلام في الواجبات.
لا يمكن ان أختم هذه الجولة في نص ابي زيد من دون أن أشير الى المرات العديدة التي تلمّست فيها أثر منهج محمد أركون النقدي المتعدّد الابعاد،وعثرت على بصمات متفرّقة تذكرنا أن هذا العَلَم الذي نفتقد بشدّة تمكّن فعلا من فتح باب النقد والداخلون منه عسى الا يبقى عددهم القليلا،لعل صدى خطواته النقدية يتردّد في أروقة المستقبل .
أيذهب جهد الكبار سدىً،أيَطَحن العبث انتاجهم ويوزعه على حافة أحكام القضاء وألاعيب القدر؟
جدوى التفلسف،قيمة النقد،الافادة المباشرة او غيرالمباشرة من مجمل الابحاث الجدية،كلها تبقى رهينة المستقبل الذي ينتظر فدائيين جدد يُكملون المسير.
في 5/10/2010
د. نايلة أبي نادر
الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم الفلسفة







