تقديم ندوة نصر حامد ابو زيد في الأونسكو- بيروت في5\10\2010 – د. محمد العريـبـي

نجتمع في هذه الأمسية لتكريم نصر حامد أبو زيد. وهواحد أبرزالمفكرين العرب الذين غيبهم الموت، على عجل، من غير أن يمهلهم لانجاز مشروعهم الفكري. والتكريم هذا  له خصوصية لأنه من قبل أصدقاء وزملاء عرفوا المكرّم عن قرب، ودرسوا فكره، وفندوا مفاهيمه ومنطلقاته الفكرية وهم: د.رضوان السيّد، والأستاذ صقر أبو فخر، ود. نايلة أبي نادر. واضطرت الظروف عدم مشاركة المؤسس لنقد الفكر الديني، صادق جلال العظم، من مشاركتنا في هذا التكريم  لوجوده في فرنسا وخضوعة لعملية جراحية في عينيه، ونتمنى له الشفاء العاجل.

اسمحوا لي بالقاء الضوء على بعض الجوانب من سيرة نصر حامد وعناوين ابرز مؤلفاته وبعض القضايا الفكرية التي أفاض في معالجتها لتأكيد وجهة نظره، التي اعتبرها  عقلية وعلمية، وللزملاءفسحة واسعة لعرض وتحليل مواقفه من هذه المسائل.

توفي نصر حامد في 5\7\ 2010 لاصابته بفيروس مجهول خلال زيارته لأندونيسيا قبل أسابيع من وفاته ودفن في مقبرة قريته قحافة (بالقرب من مدينة طنطا) التي ولد فيها في اسرة من اسرها الفقيرة. ونال الشهادات العلمية التالية:

 - عام 1960 نال دبلوم المدارس الثانوية الصناعية – قسم اللاسلكي.

 - عام 1972حاز على شهادة الماجستير في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة القاهرة عن رسالته بعنوان:”التجاه العقلي في التفسير .. دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة” \ ثم الدكتوراه، من الجامعة نفسها، عن اطروحته بعنوان:”دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي” عام 1979.

وحاز على منح دراسية وجوائز أهمها:

من نشاطاته العملية والأكاديمية:

  • فني لاسلكي بالهيئة المصرية العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية 1961 -1972 م
  • معيد بقسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، جامعة القاهرة 1972م.
  •  مدرس مساعد بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1976
  • مدرس بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1982.
  • أستاذ مساعد بكلية الآداب ، قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة بالخرطوم خلال الفترة من {1983-1987}
  • أستاذ مساعد بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1987.
  • أستاذ بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1995
  • أستاذ زائر بجامعة أوساكا للغات الأجنبية باليابان 1985 – 1989م
  • أستاذ زائر بجامعة ليدن بهولندا بدءا من أكتوبر 1995 م.
  • كرسي كليفرينخا Cleveringa للدراسات الإنسانية -كرسي في القانون والمسئولية وحرية الرأي والعقيدة- بجامعة ليدن بدءا من سبتمبر 2000م.
  • كرسي ابن رشد لدراسة الإسلام والهيومانيزم، جامعة الدراسات الهيومانية في أوترخت، هولندا  2002

وعناوين مؤلفاته وحدها تعطينا فكرة  عن عموم المسائل التي تعرض لها، مع ما تكشفه عن دقتها وما تثيره من حساسيات عقدية وعملية، وعن نفسها النقدي المضمر. ومن هذه المؤلفات: “الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجيا الوسطية” (القاهرة 1992)، “الخطاب الديني” (بيروت 1992)، “إشكاليات القراءة وآليات التأويل” (بيروت 1994)، “مفهوم النص” (بيروت1994)، “التفكير في زمن التكفير” (القاهرة1995)، “القول المفيد في قضية أبو زيد” (القاهرة1996)، “النص، السلطة، الحقيقة” (1997)، “الخطاب والتأويل” (2000).

لقد كانت حياة نصر حامد حافلة بالدلالات والمواقف الجريئة والشجاعة، وتجاوزت كل المحن التي أصابته في مسيرة دفاعه عن حرية الفكر والإبداع.

ولا بد من الاعتراف لنصر، سواء وافقناه في مشروعه أم لم نوافقه، بأنه تمتع باهم صفة لازمة للابداع والتغيير وهي الجرأة وعدم المساومة فيما اعتقده حقيقة نافعة في التطوير. وقد تجلت هذه الميزة في كل مؤلفاته التي قد يصدق القول فيها أنها كانت مدونات “حلقات بحثية” لما تضمنته من تساؤلات وحوارات، إضافة للتحليلات المعمقة لمجمل الموروث الفكري، القديم والحديث، على ضوء المناهج الفكرية المناسبة. وقد تجلت جرأته، أيضاً، في ثباته على موقفه من القضايا التي تناولها في مؤلفاته واعتبرت مخالفة للاجماع من قبل المحكمة القضائية التي حكمت عليه بجرم الردة وألزمته بالانفصال عن زوجته الدكتورة إبتهال أحمد كمال يونس.

                تمثل نصر حامد هموم مجتمعه وناسه ورغب بالافضل فانحاز إلى رعيل المفكرين المؤمنين “بالتقدم والعقل والحرية” والمناضلين لتقليص دور “الخرافة والاسطورة” السائدتين والقاتلتين للعقل. ويعتبر أن العقل، وليس سواه، هو الأداة اللازمة لكل تغيير نحو الأفضل.

        فمشروع نصر حامد متعدد المرامي: فعمل على نقد التراث وتحليله مع التركيز، بشكل خاص، على النص القرآني، فـ “القرآن – بنظره – نص لغوي يمكن أن نصفه بأنه يمثل في تاريخ الثقافة العربية نصاً محورياً” (مفهوم النص،ص9). ودعا إلى التحرر من كل نص يجعل منه صاحبه موازياً للنص القرآني، وأكد ضرورة الركون إلى مجرد العقل الإنساني ـ لأن “قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له” (حديث، بحار الأنوار1|94) ـ في تأويل النص الموحى، وقيامة علاقة مباشرة مع الله على أسس “عبادية” خالصة من كل شكل من أشكال “العبودية” المفترضة في الخطاب الديني السلفي الذي يدّعي لنفسه القدسية(نقد الخطاب الديني ص149). وكان صادق جلال العظم قد وصف السلفية بـ”القوة الظلامية” التي ” تنصب ذاتها وكيلاً عن الله، وتستثمر هذا التنصيب إلى حدوده العليا، فتدمر العقل والثقافة والإنسان” (العظم، ذهنية التحريم،ص406).

وألزم نصر حامد نفسه بالتصدي للمشروع الأصولي الذي يسعى إلى فصل النص الديني عن الواقع المعاش الداخل في التاريخ، واعتبر أن  مواجهة ما يسميه بالعقل الغيبي هو المدخل الصحيح لاطلاق حرية الإنسان وتحرير عقله من سلطة الأساطير والأوهام. هذا مع إقراره بأن القرآن هو كلام الله ، ومصدره إلهي، وهو رسالة من الله لمصلحة البشر(مجلة العربي عدد104).

ويطرح نصر حامد مسألة تصنيف الشعوب والأمم ويرى أن معيار التصنيف هو الثقافة، التي تقوم هي بدورها على اللغة، الأمر الذي دفعه إلى اسغراب الفصل بين العروبة والإسلام لأن لغة التنزيل هي العربية المحمولة على منظومة ثقافية وفكرية وتعبيرية، ولأن لكل لفظة من ألفاظها مسمى في الأذهان أو في الأشياء.

المؤسف أن هذا المفكر الجريء في عالم عربي غلبه ظل المساومة والتسليم عاد إلى وطنه محمولاً بجسده إلى ترابة مصر ليزيد في غناها، وإلى هوائها بفكره ليزيد في ألقه وصفائه.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.