شرعتْ محاكمُ التفتيشِ في أوروبا في التلاشي مع بداية انحسار العصور الوسطى، وأفولِ مكانةِ الباباوات وتأثيرهم في عقول الناس ومصائرِهم. لكن محاكم التفتيش في البلدان العربية ما زالت مستمرة إلى أجل غير مسمى، وما زال كُهّانُ العالم الإسلامي مستمرونَ، حتى اليوم، في قمعِ أي فكر نقدي أو تنويري. وهذا هو ديدنُهم منذ أن انتصر الحنابلة على المعتزلة في عهد الخليفة المتوكل. وكان الفكر العربي قد بدأ انغلاقه، على الأرجح، مع أبو حامد الغزالي، أي في زمن السلاجقة، عندما اعتقد، واعتقد المسلمون معه، أنهم ختموا العلمَ، ووصلوا إلى ذروةِ المعرفة التي لا معرفة بعدها، وأن جميع معارف الوجود باتت محفوظةً في القرآن والتفاسير ونصوص الفقهاء وكلام المتكلمين من علماء الكلام. لكن الغزالي، بإنكارهِ مفهوم السببية، وإغراقِه في التصوف والغيبيات، قضى على مفهوم العقلانية التي بَذَرَ بَذْرَتَها الأولى المعتزلةُ وبعضُ الفلاسفة، ولم يستطع ابن رشد أن يوقف تأثير الغزالي في الفكر الإسلامي. ومثلما قضى الغزالي على المعتزلة، قضى حسن البنا والإخوان المسلمون على المشروع الإصلاحي، شبه العقلاني، الذي دشّنه جمالُ الدين الأفغاني ومحمد عبده، ودخلت البلاد العربية في معمعانِ التبديع والتفسيق والتكفير. وهكذا هُزم الطهطاوي وطه حسين وعلي عبد الرازق وعبد الله العلايلي على أيدي أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وسيد قطب وتوابِعِهِم. فيا له من انتصار ضيَّعَ فرصةَ التجديد، وأعاق نموَ التفكيرِ العلمي، وأورثنا قائمةً طويلةً من مصادرة الكتب ومنعها وحبس مؤلفيها أو نفيهم أو التنكيل بهم.
ومن مفارقات تاريخنا المعاصر أن المنطقة العربية التي وُلِدَ فيها الدينُ لم تَلِدْ أيَّ حركة فكرية لنقد الخطاب الديني. فالحركات الفكرية النقدية العظيمة التي لمعت في سماء العرب، ظهرت في الطور الصاعد للحضارة العربية، وفي حقبة الازدهار الكبير في القرنين الثالث والرابع الهجرِّيين. ومن سوء حظ نصر حامد أبو زيد أنه ظهر في عصرنا هذا، وهو عصر ما بعد الانحطاط، الأمر الذي جعل مهمته شاقةً وطريقه صعبةً، وسجالَ المناوئين له أشدَّ مضاضةً وأكثرَ ضيماً.
أسوق المثال التالي للمقارنة. فالشيخ محمد الغزالي طعن بأحاديث مشهورة كثيرة كحديثِ غزوة بني المصطلق وحديث “بُعثتُ بالسيف” وحديث “الذبابُ في أحد جناحيه داءٌ وفي الآخرِ شفاءٌ”. وطعن أيضاً بأحاديث المهدي وحديث “الكلب الأسود شيطان” وحديث “كل ذي ناب من السباع فأكله حرام” وغيرها الكثير من المرويات. إن هذه المطاعن لو تكلم عليها أحد المفكرين العَلمانيين أو المتنورين لأهدرَ السلفيون دمه، وطلقوا زوجته وصادروا أمواله على غرار ما فعلوه بنصر حامد أبو زيد. غير أن الشيخ الغزالي ينتمي إلى منظومة الأفكار الدينية نفسها، وإن تعرض بالجرح والتعديل لبعض تفصيلاتها ووجوهها بحيث لا يمكن التعرض له من غير الانتقاص من الأفكار التي يحملها. وهذا الأمر من شأنه أن يحميه إلى حد كبير نسبياً، في حين أن نصر حامد أبو زيد أو أدونيس أو صادق جلال العظم وأمثالهم لا حامي لهم البتة،فهم لا ينتمون إلى أي مؤسسة دينية أو منظمة مذهبية، بل إلى الأفكار التي يبتدعونها.
المبدعون والبوليس السلفي
في سياق الكلام على الأفكار “البديعة” والمبتدعة أشير، وربما لا أجانبُ الصواب إذا قلت إن ستةً من أبرز أعلام الثقافة العربية المعاصرة تمكنوا من أن يهزوا الفكرَ العربي الراكد هزّاً شديداً، وأن يفتلوا رؤوسَنا عن مواضعها، وهؤلاء هم: نزار قباني وأدونيس وصادق العظم من سورية وعبد الله العلايلي وكمال الصليبي من لبنان، ونصر حامد ابو زيد من مصر. فنزار قباني قضى على الحرملك وعزلته، وأطلق في فضاء الشعر العربي، منذ ديوانيه ” قالت لي السمراء” و “طفولة نهد “، شموساً بشّرت بالحرية والانعتاق والجمال. وأدونيس، منذ “مقدمة للشعر العربي” ثم “الثابت والمتحول”، وهو يثير أسئلة” جوهرية ما برحت تدور في الأذهان والعقول. أما صادق العظم فقد حفر في الثقافة العربية جداول من النقد الجريء والمحاججة والسجال منذ أن أصدر كتابيه “النقد الذاتي بعد الهزيمة” و “نقد الفكر الديني” ثم أتبعهما، في ما بعد، بكتاب “ذهنية التحريم”. بينما قوض كمال الصليبي المسلمات القديمة ومسَّ المحرمات المقدسة في شأن “العهد القديم” عندما اصدر كتابه التأسيسي “التوراة جاءت من جزيرة العرب”. أما العلامة الكبير عبد الله العلايلي فقد تجرأ على ما هو مستقر، ولم يتمكن أحد من الرد عليه عندما رفض قطع يد السارق مثلاً لأنه رأى أن الحدود بغاياتها وليس بألفاظها، فأباح زواج المسلمة من كتابي. وكل ما فعله فقهاء الظلام أنهم راحوا يشتمونه. أما الوحيد الذي أطبق الفقهاء عليه هو نصر حامد أبو زيد الذي دفع ثمن جُرأتِه، فنُفي اختيارياً إلى أوروبا، ونال طلاقاً إكراهياً من زوجته.
إن هؤلاء الأعلام حوكموا وكُفِّروا وشُتموا بتهمة المجون والحض على الفجور تارة (أقصد نزار قباني)، وبتهمة الشعويية تارة أخرى (أدونيس) وبخدمة اليهود أحياناً (كمال الصليبي) وبالكفر دائماً (صادق جلال العظم)، وبمخالفة إجماع الأمة (العلايلي)، وبالردة (نصر حامد أبو زيد). غير أن ما يجمع هؤلاء المفكرين معاً هو تعرضهم لسطوة البوليس السلفي الذي صار سلطةً بلا حدود، ومحكمةً لا تقبلُ أحكامها الاعتراض. وهذا البوليس الذي يوقت ساعته على ابن تيمية راح يوقع القصاص بالرصاص. ألم يُقتل بهذه الطريقة حسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة والطاهر جعوت ويوسف سبتي وعبد القادر علولة، وكاد نجيب محفوظ أن يكون واحداً من هؤلاء الضحايا؟
للمقارنة فقط، أود أن أشير إلى أن نصر حامد أبو زيد وعلي عبد الرازق يشتركان في أمر واحد ويفترقان في أمور: لقد تعرضا للمحاكمة والمساءلة، وجرى الحكمُ على أبو زيد بالرِدة وطُلقت زوجته منه (وهو حكم لم يُنفذ بالطبع)، لكن أبو زيد لم يتراجع. أما علي عبد الرازق فقد أقصي عن هيئة التدريس في الأزهر، لكنه تراجع، في ما بعد، نادماً على طيشه. وللمقارنة أيضاً، فقد جرى تكفير طه حسين حين صدور كتابه “في الشعر الجاهلي”، وجاء التكفير من خارج الجامعة، فما كان من الجامعة إلا أن دافعت عنه. لكن أبو زيد تعرض للتكفير من بعض أساتذة الجامعة مثل عبد الصبور شاهين، فدافع عنه المثقفون خارج الجامعة، وخَرِس مَن هم داخل أسوار الجامعة. وهذا هو وجه من وجوه التغير الذي خضعت له الثقافة العربية في مصر بعد موت جمال عبد الناصر، أي منذ أن وصل أنور السادات إلى الحكم، وتسيدت الفئات الاجتماعية الجديدة والرثة الحياة العامة في مصر.
قضية الحــريــة
قضية نصر حامد أبو زيد هي قضية الحرية أولاً وأخيراً. لغيرنا أن يهتم بالأفكار التي صاغها أبو زيد ويقارنها بالنسق المعياري الإسلامي، ويقيس، بناء على ذلك، مدى انحرافه عن “الإسلام القويم” أو مدى ملاءمته هذا الإسلام. ليس هذا شأننا، بل إن ما أريد الكلام عليه، هنا هو قضية نصر حامد أبو زيد بصفة كونها قضية من قضايا الحرية الموؤدة في العالم الإسلامي. وبهذا المعنى فإن نصر حامد أبو زيد ليس الوحيد، في تاريخنا المعاصر، الذي طالته أقدامُ الرعب، ومخالبُ الهمجية الجديدة؛ فهو، بلا ريب، شوط جديد في مسيرة طويلة جداً من ضحايا القمع السلفي للمبدعين الأحرار ( أو المبتدعين على رأي هؤلاء، وكل بدعة ضلال). إنه حلقة في سلسلة طويلة من الأعلام البارزين ربما بدأت، إذا نظرنا إليها في سياق مشروع الإصلاح، بالطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وأحمد أمين وعلي عبد الرازق وخير الدين التونسي وأمين الخولي ومحمد أحمد خلف الله وعبد الله العلايلي وحسن حنفي ومحمد شحرور وجمال البنا ومحمد سعيد العشماوي وفهمي جدعان، على الرغم مما بين هؤلاء من فروق. ويوازي هذه السلسلة من الإسلاميين المتنورين سلسلة أخرى من المفكرين العَلمانيين بدأت مع بطرس البستاني وشبلي الشميل وسلامة موسى ومنصور فهمي وقاسم أمين ولطفي السيد وفرنسيس المراش وعبد الرحمن الكواكبي وأديب اسحق وإسماعيل أدهم وطه حسين وعصام الدين حفني ناصف وأدونيس وصادق العظم والصادق النيهوم وطيب تيزيني وعبد الله العروي وهشام جعيّط حتى محمد أركون. وثمة سلسلة أخرى كانت الأقوى على ما يبدو، ولو موقتاً، بدأت بأبي الأعلى المودودي وابي الحسن الندوي وسارت أشواطاً مع حسن البنا وسيد قطب وعبد العزيز بن باز وحسن الترابي وراشد الغنوشي وغيرهم من صنف هذه الكائنات العجيبة.
فضيحة للنظام السياسي
في ثلاثينيات القرن العشرين نشر إسماعيل أدهم كتاباً بعنوان “لماذا أنا ملحد؟”. لم تقم عليه قيامة المشايخ ولا قوائمهم، ولم يتعرض لأي أمر سيء. فقط رد عليه محمد فريد وجدي بكتاب عنوانه :لماذا أنا مؤمن؟”. هذا كل شيء، وهذا ما حدث في مصر في العهد الليبرالي. لكن ما حصل لنصر حامد أبو زيد في العهد النيوليبرالي كان فضيحة تماماً للنظام المصري الذي ظهر أنه غير قادر على حماية مواطنيه المفكرين من بلطجية المشايخ أمثال يوسف البدري وعبد الصبور شاهين الذين لم يجدوا أي نص قانوني لمحاكمته، فلجأوا إلى الحسبة. وهذا يعني أن مصر قد دفنت الفقيه الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري، ونصبت بدلاً منه قضاة عاشوا في السعودية في زمن عبد الناصر، وارتدوا الزي الأفغاني أو الباكستاني بعد عودتهم في زمن السادات الذي أجلسهم، بدوره، تحت أقواس المحاكم.
لا ريب عندي في ان الأنظمة السياسية العربية، في صورتها الحالية، تعيش حالاً من الخواء المروِّع. فهي على كثرة “مفكريها” وكتابها ومنظريها والضاربين بسيوفها، لا تملك رداً على تحدي الإسلاميين الجدد غير الدعوة إلى “إسلام معتدل”، وهي لا تنفك تقذف بأشخاص من طراز عمرو خالد أو محمد سعيد رمضان البوطي أو الشيخ القرضاوي ليتسلموا دفة المواعظ السياسية على شاشات التلفزة. وهؤلاء المشايخ يتبعون الريح أينما تتجه؛ ففي الستينيات أفتى شيخ الأزهر، وتبعه رهط منهم، بأن الإسلام هو دين الاشتراكية استناداً إلى الحديث الذي يقول: “الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار”. وفي عهد السادات أفتى شيخ الأزهر بأن الإسلام هو دين الرأسمالية استناداً إلى أن العشرة المبشرين بالجنة كانوا من الأثرياء. فتأملوا.
روح التنويـــر
إن ما يمنح كتابات نصر حامد أبو زيد أهميةً إضافية، علاوة على أهميتها الفكرية، هو السجالات التي أثارتها، وهي سجالات عكست، في معظمها، الصراع الفكري بين تيارين: تيار التنوير والتجديد، وتيار التشبث بالماضي وبحكايات السلف. وقد كانت غاية التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، كما هو معروف، هي تحرير الإنسان من سلطة رجال الدين، وتحرير العقل من كابوس اللاهوت وقيوده. ففي تلك الفترة كان يكفي أن يستند رجل الدين إلى آية من الإنجيل، أو إلى قول منسوب إلى أحد القديسين، أو إلى واحد من آباء الكنيسة كي يُصبح كلامه قاطعاً ونهائياً، وتصبح أي مناقشة لآرائه هرطقةً. أليست هذه هي الحال عندنا اليوم في العالم العربي؟
كانت روح التنوير تعني أن المعرفة يجب أن تستند إلى العلم والتجربة العلمية، لا أن يُعتبر اللاهوت هو المصدر الرئيسي لها. وفي سبيل هذه الروح تحررت المعرفة، إلى حد كبير، من اللاهوت ومن سلطة رجال الدين ومن الغيبيات والخرافات معاً ومن جميع السلطات أيضاً. أليست هذه هي غاية التنوير في بلادنا اليوم؟ أي تحرير الإنسان العربي من سلطة رجال الدين ومن جميع السلطات، وتحرير المعرفة من غيبياتهم ومن خرافات النصوص القديمة الجاثمة فوق الرؤوس كثعابين هندية سامة.
إخال ان غاية نصر حامد أبو زيد في جُلَّ ما كتب كان التنوير، أو، على الأقل، الإصلاح. ولهذا قامت عليه قيامة المشايخ بالدرجة الأولى. وبهذا المعنى حاول نصر حامد أبو زيد أن يفرق الفكر الديني عن الدين. لكنني اعتقد أن هذه التفرقة مراوغة. فالفكر الديني لا ينمو إلا في سياق الدين ذاته. والدين اليوم، كما يفهمه الفقهاء، ليس ما بين الدفتين، أي القرآن وحده، إنما هو القرآن وركام هائل من العقائد والمرويات والأحاديث التي تدخل كلها في باب التراث. والإسلاميون، في غالبيتهم، لا يفرقون التراث عن الدين. فهم يتعاملون مع التراث بوصفه مقدساً، أي أن التراث تحول، لدى هؤلاء، إلى دين، وجرى دمجه في سياق المقدس. والأنكى أن الإسلاميين لم يتناولوا التراث الغني والمتنوع إلا بطريقة الإعادة والتكرار بطريقة لا تنتهي، ولا تقدم أي جديد أو تجديد.
لنلاحظ كيف أن المتطرفين الإسلاميين والمعتدلين يعتمدون المصدر الديني نفسه … وهذه مفارقة حقاً. فلا يوجد خلاف في المرجعية الفقهية بين من يزعم انه وسطي، وبين من يدعى أنه سلفي، أكان من السلفية الجهادية أم من السلفية الدعوية. فعبد الله عزام لا يختلف في مرجعيته عن شيخ الأزهر. كلاهما لديه الأحاديثُ نفسها، والفقهاءُ أنفسهم والتراث نفسه. والفارق بين هؤلاء وهؤلاء هو في الانتقاء. وحتى الآن لم أعثر على سلفي يخالف الوسطي في مراجعه أو العكس، فالواحد منهم يغرف من المعين ذاته.
فهمي هويدي، على سبيل المثال، حين ذهب في وفد إسلامي برئاسة القرضاوي إلى الملا أحمد عمر في أفغانستان كي يثنيه عن تدمير تمثال بوذا في مقاطعة باميان وهو من روائع الفن، لم يستطع أن يتفوه بكلمة واحدة أمام الملا عمر الذي بادره بسلسلة من الأحكام في شأن حرمة التماثيل. وكل ما قاله فهمي هويدي وصحبه، ان تدمير التمثال يسيء إلى سمعة المسلمين، والأولى ترك التمثال كما ترك المصريون “أبو الهول”. لكن الملا عمر كان أقوى في أسانيده الفقهية من القرضاوي وهويدي وغيرهما من “علماء المسلمين” في ذلك الوفد.
وقد لاحظ نصر حامد أبو زيد أن الخلاف بين الاعتدال والتطرف في الخطاب الديني الحديث ليس خلافاً في النوع بل في الدرجة. فالتكفير طريقة لنفي الخصم فكرياً عند المعتدلين، ولتصفيته جسدياً عند المتطرفين. لهذا اجتهد نصر حامد أبو زيد كي يرسي عمله الفكري على قاعدتين.
1 ـ فهم التراث فهماً نقدياً لاعتقاده أن فهم التراث غير ممكن بطريقة تكرار مقولاته ووقائعه كما يفعل المشايخ.
2 ـ فهم النص الديني بغاياته وليس بحروفه. وهذا ما حاول أن ينجزه عبد الله العلايلي، ولا سيما في كتابه الخطير “أين الخطأ ؟”.
وفي هذا الحقل من المعرفة دعا أبو زيد إلى التحرر من سلطة النص. وقد فهم أصحاب الرؤوس الناشفة، وكدليل إضافي على الغوغائية، أنه يدعو إلى التحرر من النص القرآني. ولم يكن هذا الأمر صحيحاً على الإطلاق، بل كان مقصده التحرر من القراءة السلفية للنص القرآني. فدعوته إلى التحرر من سلطة النصوص ومن المرجعيات الفقهية العتيفة، ليست إلا دعوة، على ما يقول هو نفسه، إلى إطلاق العقل الإنساني كي يتجادل بحرية مع الطبيعة في مجال العلوم الطبيعية، ومع الواقع الاجتماعي والإنساني في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب. وهذه الدعوة لا تقوم على إلغاء الدين، ولا على إلغاء نصوصه، بل على فهم النصوص الدينية فهماً علمياً.
مصائر الذين آذوه
أود أن أتيح لنفسي، ليس الشماتة أو التشفي بخصوم نصر حامد أبو زيد، بل النظر في أحوال هؤلاء الذين تصدوا له وأورثوه العذاب والقلق والنفي والتكفير والشتم والتهديد بالموت. والتفت إلى اثنين فقط من بين هؤلاء: عبد الصبور شاهين ومحمد عمارة. فعبد الصبور شاهين تشفّى بمغادرة أبو زيد جامعة القاهرة فكتب كتاباً بعنوان “قصة أبو زيد وانحسار العلمانية في الجامعة”. لكنه، في مسلكه، لم يكن لائقاً بمكانته كأستاذ في دار العلوم، بل خلط الجامعة بالجامع حين دشن حملته على أبو زيد من مسجد عمرو بن العاص في القاهرة في 2/4/1993، ثم راح يجول على المساجد داعياً إلى تكفيره وتوقيع القصاص به. وفي ما بعد ذاق عبد الصبور شاهين من المعجن نفسه الذي خبز عجينَه بيديه؛ فقد شن الشيخ العجيب يوسف البدري هجوماً لاذعاً على عبد الصبور شاهين بسبب كتابه “أبي آدم”. والمعروف أن عبد الصبور شاهين، ومعه الشيخ شعراوي أيضاً، كان متورطاً في فضيحة شركة الريان للنصب على الناس وأموالهم باسم الدين. وقد مات شاهين في 26/9/2010، ومرّ خبر موته همساً، فكأنه عاش لم يلتفت إليه أحد، ومات فلم يحزن عليه أحد. أما محمد عمارة الذي أورد في كتابه “فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية” أن النصارى كفرة ملحدون، وأن أموالهم ودماءهم مستباحة، كان دعا في مقالة له في جريدة “الأخبار” المصرية (4/7/2003) إلى توحيد الأمة على المذهب السني قبل التوجه إلى القدس على غرار ما فعله صلاح الدين الأيوبي.
هذه هي دعوة صريحة إلى الفتنة المذهبية، ودونها أنهار من الدم. وحسبنا أننا أمام ثلاثة عيارات من الرجال: عبد الصبور شاهين، وهو تقليدي ضيق الأفق والتفكير، ومحمد عمارة الذي يبدو على شاشات التلفزة مثل رامبو، لكن بلا عضلات، علاوة على كونه متعصباً وأحمق في الوقت نفسه. ونصر حامد أبو زيد المفكر التقدمي النادر في فهمه للإسلام، والعَلماني والمظلوم في الوقت نفسه.
إني أعلن انحيازي إلى الثالث بلا ريب. وهذه المقالة تحية إلى اسمه الكبير.